السيد محمد الصدر
98
ما وراء الفقه
غير أن هذا يتوقف على أن يكون المراد من هذه الروايات صدور الحكم في وقائع ومرافعات قضائية بعينها ، ليكون القضاء قضاء فيها . ولا يكون المراد بها الفتوى في مسألة عامة أو كلية يعين فيها الحكم القضائي في موارد بعينها . ولا شك أن هذه الروايات هي أقرب إلى فهم الفتوى منها إلى فهم الحكم القضائي في مرافعة معينة . والدليل على ذلك من الروايات نفسها . ففي صحيحة محمد بن قيس الأخيرة يقول : قضى أمير المؤمنين ( ع ) في السارق إذا سرق قطعت يمينه ، وهي واضحة من أن محل الكلام إنما هو مسألة كلية وليس مرافعة جزئية الأمر الذي يحول مغير القضاء فيها إلى معنى الفتوى ، وإنما عبر بالقضاء دون الفتوى ، لأن المسألة الكلية بنفسها من صلاحيات القاضي . وكذلك قوله في صحيحة ابن سنان حيث يقول : قضى أمير المؤمنين ( ع ) أن الفرية ثلاث . فإن التقسيم إلى ثلاثة وجوه لا معنى له في المرافعة المعنية كما هو واضح . وأما في الصحيحتين الأوليتين ، فالراجح فيها ذلك ، ولا أقل من احتماله المسقط لها عن الاستدلال في صالح المشهور . كما يمكن جعل الصحيحتين الأخيرتين اللتين عرفنا منهما معنى ( الفتوى ) قرينة منفصلة على فهم الأوليين ، فيكون لهما نفس المعنى . ولا أقل إننا نفهم من الأخيرتين إمكان استعمال معنى ( القضاء ) في الفتوى . ومعه لا يتعين حمله على الحكم في المرافعة في أي محل سمعناه ، ما لم تقم قرينة معينة ومثبتة لذلك ، وهي في الأوليين غير موجودة . وأولى من ذلك استعمال لفظ ( الحكم ) فإنه أقرب إلى معنى ( الحكم الشرعي ) الكلي الذي هو معنى ( الفتوى ) دون الحكم القضائي الفعلي الجزئي . ولا أقل من احتمال ذلك ، والاحتمال هنا أوضح وأرجح من لفظ ( قضى ) فيكون الاستدلال في مصلحة المشهور ساقطا .